يرى الدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس، في مقال رأي نشره موقع «ميدل إيست آي»، أن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات السياسية والعسكرية تبدو أكثر هشاشة مما توحي به المؤشرات الظاهرة، محذرًا من أن الديون القياسية، وشلل آليات تسوية النزاعات التجارية، وتحويل تجميد الأصول السيادية إلى أداة للضغط السياسي، عوامل تُرسّخ الهشاشة داخل النظام الاقتصادي العالمي، حتى وإن لم تؤدِّ إلى انهياره في الوقت الراهن.


ووفقًا لما أورده موقع «ميدل إيست آي»، استطاع الاقتصاد العالمي امتصاص تداعيات الحرب في أوكرانيا، والصراعات في الشرق الأوسط، وتصاعد الحروب التجارية والرسوم الجمركية، واستخدام العقوبات سلاحًا سياسيًا، واضطراب إمدادات الطاقة.

 

لكن كارنيلوس يرى أن هذا الصمود لا يعكس بالضرورة متانة النظام، بل يكشف عن قدرته على التكيف مع الضغوط، في وقت تتراكم فيه أزمات الديون وتتراجع الثقة في حياد المؤسسات الدولية، وتتسع الفجوة بين الدول الغربية وبقية العالم بشأن طبيعة النظام الاقتصادي العالمي ووظيفته.

 


ديون قياسية وذهب يتقدم على الدولار: قنابل موقوتة تهدد الاقتصاد العالمي


منذ عام 2022، توالت التوقعات التي حذرت من أن الاضطرابات العسكرية والسياسية المتلاحقة ستتجاوز قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات. ومع ذلك، لم تتحقق السيناريوهات الأكثر تدميرًا، أو لم تتحقق حتى الآن.


وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، قد أقرت العام الماضي، خلال استعراضها لتوقعات الاقتصاد العالمي، بأن الاقتصاد العالمي «صمد عمومًا أمام ضغوط كبيرة ناجمة عن صدمات متعددة».


ويؤكد كارنيلوس أن هذا الصمود حقيقي، لكنه أكثر هشاشة وتعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى. فقد أعادت التجارة توجيه مساراتها بدلًا من الانهيار، وتنوعت ممرات إمدادات الطاقة، بينما شرعت البنوك المركزية في إعادة تشكيل بنية النظام النقدي الدولي بهدوء خلال السنوات الثلاث الماضية.


وتكشف بيانات مجلس الذهب العالمي عن جانب مهم من هذا التحول. فوفقًا لمسح احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية لعام 2026، الذي شاركت فيه 76 مؤسسة، وهو أعلى عدد من المشاركين خلال تسع سنوات، تتوقع 89% من البنوك المركزية ارتفاع حيازات الذهب العالمية خلال العام المقبل، فيما تخطط نسبة قياسية منها لزيادة احتياطياتها من المعدن النفيس.


ونتيجة لذلك، تجاوز الذهب سندات الخزانة الأمريكية ليصبح أكبر مكوّن منفرد في احتياطيات البنوك المركزية العالمية للمرة الأولى منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.


ويربط محللون هذا التحول بحدث محوري وقع في بداية الحرب الأوكرانية، حين جمّدت الولايات المتحدة احتياطيات البنك المركزي الروسي وصادرتها ضمن الإجراءات المتخذة ضد موسكو. وأثار هذا الإجراء قلق مديري الاحتياطيات حول العالم، ودفعهم إلى تقليص حصة الدولار في محافظهم المالية.


لكن الكاتب يرى أن تراكم الذهب لا يعني خروج البنوك المركزية من النظام المالي العالمي، بل يعكس سعيها إلى التحوط من المخاطر داخل النظام نفسه. فالمؤسسات المالية لا تقطع علاقاتها بالاقتصاد الدولي، وإنما تحاول تقليل تعرضها للأدوات التي قد تتحول إلى وسائل ضغط سياسي.


غير أن التكيف مع المخاطر يفرض تكلفة متزايدة، تتراكم آثارها بمرور الوقت.


فبحسب مرصد الديون العالمي الصادر عن معهد التمويل الدولي، تجاوز إجمالي الديون العالمية، بما يشمل ديون الحكومات والأسر والشركات والمؤسسات المالية، 365 تريليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلًا رقمًا قياسيًا جديدًا للربع السادس على التوالي.


وارتفعت ديون الأسواق الناشئة وحدها بمقدار 6.5 تريليون دولار خلال الفترة نفسها، متجاوزة 110 تريليونات دولار.


وحذرت جورجييفا، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من أن الدين العام العالمي مرشح للوصول إلى 110% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2029.


ويشير كارنيلوس إلى أن الاقتصادات الكبرى تبدو مدركة للمشكلة، لكنها لا تبدي استعدادًا لمعالجتها بصورة منفردة. فالأزمة لا تتمثل في اختلال ميزانية دولة بعينها، بل في مسار هيكلي تتجه خلاله اقتصادات العالم نحو مستويات متزايدة من الاستدانة، دون وجود إرادة سياسية كافية لتغيير الاتجاه.


وتؤدي هذه الديون المتضخمة إلى تضييق الحيز المالي المتاح أمام الحكومات لمواجهة الصدمات المقبلة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية. وبذلك، لا يمكن افتراض أن قدرة الاقتصاد على تجاوز الأزمات الحالية ستضمن قدرته على الصمود أمام أزمات المستقبل.


وتبرز في هذا السياق، بحسب الكاتب، قنبلة موقوتة أخرى ذات أبعاد نووية، تتمثل في الدين الفيدرالي الأمريكي الذي بلغ 40 تريليون دولار، والذي يحاول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت كبح جماحه.

 

تجميد الأصول الروسية وشلل منظمة التجارة العالمية: تآكل حياد النظام الدولي


يعتبر كارنيلوس أن استخدام التدابير السياسية العقابية ضد المبادئ التي يقوم عليها السوق يمثل أحد أبرز مصادر الهشاشة الاقتصادية. ويستشهد بمصير الاحتياطيات السيادية الروسية المجمدة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، والتي تبلغ قيمتها نحو 300 مليار دولار موزعة على مؤسسات مالية حول العالم، من بينها نحو 210 مليارات يورو، أي ما يعادل 235 مليار دولار، داخل الاتحاد الأوروبي.


وبدلًا من بقاء هذه الأصول في حالة من الجمود القانوني، أصبحت أساسًا ماليًا لمبادرة أوروبية مقترحة تتمثل في تقديم «قرض تعويضات» لأوكرانيا بقيمة 140 مليار يورو، أي نحو 157 مليار دولار. ويقضي المقترح بأن تسدد أوكرانيا القرض فقط عندما تدفع روسيا تعويضات الحرب، وهو ما يحول فعليًا تجميد الأصول إلى منحة مشروطة.


ورد البنك المركزي الروسي برفع دعوى قضائية ضد شركة «يوروكلير»، ومقرها بروكسل، التي تحتفظ بالجزء الأكبر من الأصول الروسية المجمدة، معتبرًا أن هذه الخطوة غير قانونية.


وبغض النظر عن الموقف من الحرب نفسها، يرى الكاتب أن سابقة استخدام الاحتياطيات السيادية المجمدة على نطاق واسع ضمانًا لتحقيق هدف جيوسياسي تفرض معادلة جديدة على الدول التي تحتفظ باحتياطيات مالية خارج المعسكر الغربي.


فالدول التي تراقب هذه الإجراءات قد تتساءل عن مدى أمان أصولها في النظام المالي الدولي إذا دخلت في خلاف سياسي مع القوى المهيمنة عليه. ومن ثم، قد يؤدي استخدام العقوبات لتحقيق أهداف سياسية محددة إلى تقويض الثقة في حياد النظام المالي بأكمله، وتعزيز اتجاه البنوك المركزية إلى زيادة حيازاتها من الذهب.


ولا يقتصر تآكل الحياد المؤسسي على النظام المالي، بل يمتد إلى حوكمة التجارة العالمية. فمنذ ديسمبر 2019، توقفت هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية عن العمل، بعدما عرقلت الولايات المتحدة تعيين قضاة جدد، بينما ظلت المفاوضات بشأن إحيائها أو استبدالها متعثرة.


ولا تزال أكثر من 30 قضية استئناف معلقة دون تسوية، في حين لم تنجح الآلية المؤقتة التي أُنشئت لتجاوز هذا الفراغ، والمعروفة باسم «ترتيب التحكيم الاستئنافي المؤقت متعدد الأطراف»، سوى في تسوية قضية واحدة.


وبذلك، تراجعت فاعلية المؤسسة التي أُنشئت لمنع تحول النزاعات التجارية إلى صراعات تحسمها موازين القوة وحدها، وظلت عاجزة عن أداء دورها طوال نحو سبع سنوات.


ويطرح كارنيلوس تساؤلًا بشأن ما إذا كان الغرب وبقية العالم ينظران إلى هذه التطورات بالطريقة نفسها. وتشير الأدلة، بحسب رأيه، إلى اتفاق الطرفين على تشخيص المشكلات، مقابل اختلاف واضح في تفسيرها.


فكلاهما يدرك أن مستويات الديون غير قابلة للاستدامة، وأن المؤسسات الدولية تواجه ضغوطًا متزايدة. لكن صانعي السياسات الغربيين يميلون إلى اعتبار العقوبات وتجميد الأصول وتعطيل آليات تسوية النزاعات التجارية ردودًا دفاعية على الاعتداءات الخارجية، بينما ترى دول كثيرة خارج المعسكر الغربي في الأدوات نفسها دليلًا على أن النظام الدولي لم يكن محايدًا بالقدر الذي روّج له.


وقد عبّر وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار عن هذه الفجوة في عام 2022، حين دعا الأوروبيين إلى «التخلص من عقلية» تفترض أن مشكلات أوروبا ينبغي أن تكون مشكلات الجميع، بينما لا ينطبق الأمر نفسه في الاتجاه المعاكس.


ويشير الكاتب إلى أن حكومات عديدة في دول الجنوب العالمي كانت تتبنى هذه الرؤية منذ فترة، لكنها لم تكن تعلنها صراحة. فالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية قدّم نفسه بوصفه نظامًا عالميًا شاملًا، غير أن تطبيق مبادئه كان، عمليًا، أكثر انتقائية مما يبدو.


ويبرز رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بوصفه أحد أكثر القادة الغربيين صراحة في الاعتراف بهذا الخلل. ففي خطابه خلال منتدى دافوس في وقت سابق من العام، أقر بأن القوى الكبرى تستخدم الإكراه الاقتصادي لتحقيق أهدافها، في اعتراف يعكس تزايد القلق من توظيف الأدوات الاقتصادية في الصراعات الجيوسياسية.

 


اقتصاد قادر على الصمود لكنه هش: هل يقترب النظام العالمي من نقطة التحول؟


لا يعني ما سبق، بحسب كارنيلوس، أن النظام الاقتصادي العالمي على وشك الانهيار. فقد أظهر الاقتصاد العالمي مرونة أكبر مما توقعه كثيرون، وامتص صدمات كان من الممكن أن تؤدي قبل عقد من الزمن إلى أزمة حقيقية.


لكن الكاتب يشدد على أن المرونة لا تعني المتانة أو الاستدامة. فالقدرة على تجاوز الصدمة الآنية لا تضمن بقاء النظام قادرًا على التعامل مع الضغوط المتراكمة على المدى الطويل.


ويكمن الاختبار الحقيقي لما يصفه الكاتب بـ«اقتصاد المقاومة» في تحديد ما إذا كانت الديون القياسية، وشلل منظومة تسوية النزاعات التجارية، وتحويل مصادرة الأصول السيادية إلى أداة سياسية معتادة، ستؤدي تدريجيًا إلى تحويل القدرة على التكيف قصير الأجل إلى هشاشة هيكلية طويلة الأمد.


وتزداد خطورة هذا الاحتمال في وقت يتعمق فيه الخلاف بين الغرب وبقية العالم حول الغاية التي ينبغي أن يخدمها النظام الاقتصادي الدولي، والجهات التي تستفيد من قواعده، ومدى التزام القوى الكبرى بتطبيقها على الجميع دون استثناء.


فإذا استمرت الدول في التعامل مع النظام المالي والتجاري بوصفه أداة يمكن استخدامها لمعاقبة الخصوم السياسيين، فقد تتراجع الثقة في المؤسسات التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، حتى لو استمرت التجارة وتدفقت الاستثمارات وتجاوزت الأسواق الأزمات المتلاحقة.


وقد تدفع هذه المخاوف الدول إلى تنويع احتياطياتها وتقليص اعتمادها على الدولار، وإعادة توجيه علاقاتها التجارية والمالية، في مسار لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري، لكنه قد يضعف تدريجيًا الروابط التي تجعل الاقتصاد العالمي يعمل كنظام مترابط.


وفي المحصلة، لا يرى كارنيلوس أن السؤال الأهم هو ما إذا كان الاقتصاد العالمي سينجو من العاصفة العسكرية والسياسية المقبلة، فقد نجح في ذلك مرارًا حتى الآن. وإنما يتمثل السؤال في ما إذا كان هذا الصمود الظاهري يخفي تآكلًا متواصلًا في الأسس المالية والمؤسسية التي يعتمد عليها النظام الدولي.


ويحذر الكاتب من أن استمرار التكيف مع الأزمات دون معالجة أسبابها قد يمنح الاقتصاد العالمي قدرة مؤقتة على الاستمرار، لكنه يتركه أكثر عرضة للصدمات المقبلة، خصوصًا في ظل غياب توافق بين الغرب وبقية العالم بشأن قواعد النظام الدولي ومعايير العدالة والحياد التي يفترض أن تحكمه.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/world-economy-resilience-built-on-illusion-time-for-west-to-wake-up